زفر في حدة و هو يتذكر تلك الأيام التي تلت أحالته على المعاش و بقاؤه في المنزل لا يملك شيئا ليفعله سوى مناوشة زوجته الطيبة بأملاء عليها الطريقة المثلى لصنع صينية البطاطس (كما كانت تصنعها والدته رحمة الله عليها) ، أو كيفية غسيل الملابس البيضاء دون غلي الماء
كتبها للزمالك تولبار - هيثم فاروق
عدل وضع ربطة عنقه أمام المرآه ، ثم أخذ يصفف شعره بعنايه محاولا أن يكتسب مظهرا يبدو أصغر بعدة سنوات مما هو عليه ، دون أن يفقده ذلك الوقار الذي تحتاجه واجبات منصبه ، داعبت مخيلته بعض الأفكار ذهبت بعقله بعيدا ، ليتذكر تلك اللحظات التي تم ترشيحه فيها للعمل كعضو في لجنة التظلمات باتحاد الكرة من خلال (توصية) قام بها صديق قديم يعمل بنفس اللجنة ، الذي بدوره تم (ترشيحه) من خلال صديق آخر أكثر قدما داخل اللجنة! في دورة أبدية من (التوصية) و المحسوبيات تصل بنا إلى عهد الأنسان الأول. وقتها لم يستغرقه التفكير سوى لحظات ليعلن بعدها عن موافقته على هذا المنصب الذي يمكن أن يعود به إلى الواجهة بعد أن كاد يتحول إلى نبته منذ تقاعده لبلوغه سن المعاش ، و هو الذي كانت ترتج لحضوره قاعات المحاكم و ترتعد فرائص أعتى المجرمين و هم يترقبون تلك الكلمات التي تخرج على لسانه متشحة برداء القدر.
قاطع صوت زوجته تلك الأفكار ، زوجته تلك المرأة الأريبة التي نجدها دائما في كل بيت مصري ناجح ، تتحمل مسئولية الزوج المنشغل دائما حتى و لو كان (صايع) و يقضي ثلاثة أرباع وقته على (المقهى) ، تتحمل (غتاتة) الأبناء و صراعاتهم التي لا تنتهي ، و تلبي متطلبات لا تنقطع من الجميع في صبر و أناه تحسد عليهما ، و كل ذلك دون أن تطلب شيئا واحدا لنفسها ، و كأن مصدر سعادتها الوحيد هي أن يكون الآخريين سعداء:
ما شاء الله ، قمر (أربعتاشر) ، لو ذهبت مع (محمد) أبنك إلى الجامعة سيظن الجميع أنك أخوه.
قبل أن تلتقط فرشاة الملابس من فوق (الكومود) و تزيح بها بعضا من ذرات الغبار الوهمية عن حلته الأنيقة ، و هي تردف:
أنت تذهب مبكرا اليوم ، يبدو أن هناك قضية هامة ؟
أرتسمت على شفتية لمحة ساخرة ، قبل أن تتلاشى و يحل محلها تلك الملامح الجادة القاسية ، قبل أن يقول:
لقد ذهب عهد القضايا الهامة ، و جاء عهد ...
قبل أن يبتر قوله و هو يولي انتباهه للمرآه ويواصل تصفيف شعره ، تنحنحت الزوجة في حرج قبل أن تقول في في حذر:
ماذا تفعل لجنة الظلمات تلك ... التي تعمل بها؟
حدجها بنظرة نارية و هو يقول بصوت حاد:
اسمها لجنة التظلمات ... لجنة (ال .... تظل .... مات).
تمتمت الزوجة بالكلمة في صوت خفيض و هي تحاول أن تحفظها بصدق ، قاطعها صوته و هو يقول:
هي لجنة على أعلى مستوى تابعة لاتحاد الكرة المصري ، بها أباطرة المستشارين و القانونين و ...
و ماذا تفعل بالضبط؟
ضايقه مقاطعتها تلك و لكن واصل في نفاذ صبر:
هي تفصل في القضايا ذات الطبيعة الكروية.
ارتسمت ملامح البشر على و جهها و أخذت تدعو له و هي تسير خلفة و هو في طريقه إلى باب الشقة قائلة:
ربنا يوفقك ، و يكرمك يا (فلان) يابن (فلانة) و يحبب فيك خلقه ، و يجعلك سبب في تطهير البلد من المجرمين بتوع الكورة (منهم لله).
كانت الساعة لم تتجاوز بعد الثامنة صباحا ، عندما وصل إلى مقر الاتحاد و استقر في غرفة الاجتماعات ، كان يعلم أن أول الواصلين من أعضاء اللجنة لن يلج هذه الغرفة قبل الساعة العاشرة وهذا يعطيه الكفاية من الوقت لدراسة جوانب تلك القضية الشائكة التي أثارت الرأي العام الرياضي طوال الفترة السابقة ، كان لديه تقرير الحكم الواضح و لديه توصيات اللجنة القانونية و لديه أيضا التظلم الذي تقدم به النادي الأبيض ، خلع سترته و علقها على المشجب و شمر عن ساعدي قميصه و طلب من الفراش قدحين كبيرين من القهوة ، قبل أن ينغمس تماما بكل حواسه في تلك الملفات الملقاه أمامه.
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرا و لم يكن أحد من أعضاء اللجنة قد وصل بعد ، في الواقع كان اتحاد الكرة خاويا على عروشة إلا من ذلك الفراش العجوز و بعض أفراد ألأمن على الرغم من أنه يوم عمل عادي! و لكن ذلك لم يثير في نفسه أي عجب فهو قد اعتاد عليه تماما و أخذ يتلمس للجميع العذر فهم ما زالوا غارقين في عسل بطولة الأمم الأفريقية و حفلات التكريم ، قاطعه ذلك الصوت المرح و هو يقول:
ما هذا النشاط؟ عيني عليك باردة.
ابتسم و هو يقوم من فوره و يعانق صديقه (فلان) و زميله في اللجنة و يربت على كتفيه بحرارة و هو يقول:
قصدك ، ما هذا الكسل؟ تأخير ثلاثة ساعات عن موعد الاجتماع.
أي اجتماع؟
نظر له في دهشة و هو يجيب في سرعة:
الاجتماع الخاص بالمباراة الشهيرة ، ذلك الاجتماع الذي تأخر شهرين دون سبب واضح.
قال صديقه في رفق و خبرة ، موضحا له ما خفى عنه:
أولا الاجتماع لم يتأخر بدون سبب ، فرئيس الاتحاد لم يكن موجودا.
قاطعه في سرعة:
و ما علاقة رئيس الاتحاد بالموضوع ، يبدو أن طول الوقت قد أفقدك حاستك القانونية.
ابتسم صديقه في شفقة و قال له في صوت هادئ:
لا علاقة للحاسة القانونية بالموضوع ، بل و لا علاقة للقانون بالموضوع من أي ناحية ، نحن هنا داخل اتحاد الكرة حيث يمكنك أن تخلع القانون وتتركه خارجا قبل أن تدخل.
قال في صوت غاضب:
ماذا تحاول أن تقول؟ إذا لم يكن هناك دخل للقانون فما الداعي لوجودنا هنا جميعا.
رد عليه ببساطة:
لا داعي.
قبل أن يقول مترفقا:
نحن هنا فقط لنكسب ذلك الموضوع تلك الصبغة القانونية المحببة للجميع ، أما القرارات الحقيقية فتتخذ داخل الغرف المغلقة و يغلب عليها ذلك الطابع التوافقي الذي يحاول إرضاء الجميع أو على الأقل إرضاء أصحاب النفوذ ، هل فهمت لماذا لا يمكننا أن نأخذ قرار في غياب رئيس الاتحاد ، لأننا ببساطة لن نؤخذ أي قرار ، نحن فقط سنصدق على القرار الذي سيتخذه هؤلاء.
قال في ضيق حقيقي:
و لماذا نوافق على هذا و نمحو تاريخنا الكبير.
لأننا ببساطة لا نملك أي شئ آخر لنفعله ، إلا إذا كنت تفضل البقاء في المنزل و انتظار (عذرائيل).
زفر في حدة و هو يتذكر تلك الأيام التي تلت أحالته على المعاش و بقاؤه في المنزل لا يملك شيئا ليفعله سوى مناوشة زوجته الطيبة بأملاء عليها الطريقة المثلى لصنع صينية البطاطس (كما كانت تصنعها والدته رحمة الله عليها) ، أو كيفية غسيل الملابس البيضاء دون غلي الماء ، أو محاولاته لخلق نوع من الحوار بينه و بين أبناؤه قبل أن يرتد على عقبيه و قد أدرك أنه لا يوجد شيئا مشتركا يمكنهم التحدث فيه و أن انشغاله الدائم قد خلق فجوة كبيرة بينه و بينهم ، مجددا قاطعه صوت صديقه وهو يقول:
و لكن لا تضايق نفسك ، فستعتاد الأمور هنا و ستجد أن الجو هنا لطيف جدا أفضل من أي مقهى خاصة من ناحية (المشاريب) ، كما أن اسمك قد يتردد على وسائل الأعلام بين الحين و الآخر و قد يستضيفك أحد البرامج التلفزيونية لتتحدث عن المثالية التي تدار بها الأمور هنا.
كان ما يقوله صديقه حقيقيا ، هو بنفسه شعر به مع اللحظات الأولى له داخل هذا المبنى لكنه كان يتمنى أن يكون شعوره هذا كاذبا ، كان يرجو أن تكون الأمور مختلفة ، و أن يسترجع ذلك الشعور يوم كانت له فائدة حقيقية يوم كانت مصالح الناس و آملاهم تختلج لإشارة من أصبعه.
أحم ... أحم.
كان هذا هو صوت الفراش و هو يدلف إلى الغرفة قبل أن يضع على الطاولة أمامهما ملف ورقي و هو يقول في صوت مرتعش:
لقد ترك (الريس) هذا الملف و يطلب منكما التوقيع عليه.
تابع صديقه في فضول و هو يتصفح الملف الورقي قبل أن يتمتم الأخير دون اكتراس حقيقي:
هذا هو القرار الخاص بالقضية أياها.
صرخ في ذعر حقيقي:
القضية التي كان من المفترض أن نناقشها اليوم؟
حرك صديقه رأسه في إيماءه تعني الموافقة ، فقال له بنفس النبرة المذعورة:
و هل تم اتخاذ القرار بالفعل؟
رد عليه صديقه و هو يوقع على التقرير:
بالطبع و تم أعلانه ، أو لم تتابع البرامج الرياضية بالأمس؟
كيف هذا و اللجنة لم تجتمع بعد؟
كان صديقه يستعد للمغادرة و هو يلقي الملف الورقي إليه ، قائلا:
لا تفكر كثيرا ، فقط وقع على القرار حتى يصبح رسميا ، فهذا هو عملنا.
أي عمل هذا؟
كان صديقه قد صار على باب الغرفة ، قبل أن يقول في صوت اكتسب صدى خاص
المهم أنه عمل ، و أنا شخصيا أجده عملا سهل يناسب سني عمري ، المهم للرجل أن يعمل حتى لو كانت مهنته تلك هي (رأس كرنبة) ، فهذا أفضل كثيرا من البقاء في المنزل بلا عمل.
لم يعرف كم مر عليه من الوقت و هو يسير في شوارع القاهرة دون هدى و لكنه كان يشعر بأرهاق شديد و ببرودة شديدة سببها له ذلك العرق البارد الذي غطى قميصه بالكامل و هو عرق مرضي سببه تلك الحالة الصحية التي أمسى عليها قلبه الذي أنهكته السنون ، كان قد ترك سترته خلفه هناك ، هناك حيث ترك أيضا كرامته و اعتداده بنفسه و هو يوقع بأصابع مرتعشة على ذلك القرار ، كان يحاول أن يدفع عقله بعيدا عن التفكير فيما حدث و لكن تلك الصورة كانت تهاجمه بضراوة ، صورته و هو يجلس على المنصة و يرتدي عبائته الأثيرة و فوق كتفيه كانت هناك (كرنبة) تحتل ذلك الموقع الذي كان يشغله رأسه سابقا.
بأصابع مرتعشة أولج المفتاح في ثقب الباب ، لم يعرف كيف قادته قدميه إلى المنزل يبدو أنها العادة ، و في داخل المنزل طالعته ثورة كبيرة قادها ولديه كعادتهما و هما يتابعان مباريات كرة القدم فأحدهما كان من مشجعي النادي الأبيض أما الآخر فكان حمراوي عتيد:
كيف فعلها الحكم فهيم (زف...) و طرد "وائل جمعة".
لأنه ضرب المهاجم (بالكوع) بقوة تكفي ليحاكم عليها قضائيا ، كما أنه تغاضى عن طرد نصف لاعبي الأهلي وهم يتحرشون به بعدها ، حتى أن أحدهم ثنى ذراعه في قسوة كأنه يمارس معه حركة (التروكة) في المصارعة.
صرخه أخرى قبل أن يتبعها الأخير قائلا:
ها هو يطرد لاعب المحلة في محاولة فاضحة لتعويض النادي الأحمر ، نادي ولي نعمته.
القى كل تلك الصرخات وراؤه قبل أن يدلف إلى غرفة النوم و يلقي بجسده على الفراش في أرهاق حقيقي و هو يتنفس بصعوبة شديدة ، تبعته زوجته إلى الغرفة في قلق حقيقي و هي تقول معاتبة: قلت لك لا ترهق نفسك ، لم تعد صغيرا ، و لماذا لم ترد على المحمول ، حاولت مكالمتك مئات المرات.
لم يستطع أن ينبث ببنت شفة و لكنه أغمض عينيه و هو يحاول جاهدا استرجاع أنفاسه المنتظمة ، كانت زوجته تخلع حذائيه في رفق و هي تدعك قدميه قائلة:
حاول أن ترتاح قليلا ، و يمكنك بعدها أن تغتسل و تستعد للعشاء.
قبل أن تردف
أنا طبخت لك الأكلة اللي بتحبها.
نظر لها بعينن نصف مغلقتين من الأرهاق في تساؤل ، قبل أن تردف هي في فخر:
محشي كرنب ، طبخت لك كرنب.


















فكرتني والله برائد القصة القصيرة الكتور يوسف إدريس
عندك حس فني عالي جدا...وبتعبر عن الأحداث برؤية فنية صادقة جدا
ياريت الكابتن هيثم فاروق بتاع مودرن سبورت واللي بيمتلك حضور كبير كان بيتمتع بالصدق بتاعك ده في نقل الأحداث زي ما بيمتلك نفس إسمك
بس للأسف هو برضه بيشتغل في مودرن سبورت رأس كرنبة بيقول اللي هما عايزينه يقوله
تخيل إنه بيحلل ضربة الجزاء على الأهلي دخل في نوايا اللاعبين وده كان قصده إيه والتاني كان قصده إيه... وتغاضى عن إن حصل دفع فعلا من لاعب الأهلي للاعب المحلة!!؟
والغريب إن كان في ضربة جزاء شبيهة للأهلي في مباراة سابقة ضد الإسماعيلي لما بركات دخل أمام شريف عبد الفضيل وهو بيسدد فسدد في قدمه دون أن يراه... للأسف كلام النوايا ده ماتقالش ساعتها وإتقال كلام تاني
عرفت يا أستاذنا الفاضل إن الفرق بينك وبين هيثم مودرن فرق السما من الأرض
لى سؤل يحيرنى
هل انت هيثم فاروق الذى يعمل فى مودرن سبورت ام تشابه اسماء
اذا كنت هو فارجوك ان تخلع قميصا من الاثنين
هناك ليس له مصداقيه رغم انى احبه لانه معجون بالدم الابيض لكنها لقمه العيش
اما هيثمنا هنا عبائته نظيفه لم تلوث وهى فى قمه النضج الفنى الثرى
ارجو بصراحه ان اعرف من منهم انت
بستمتع بكتاباته جدا بس ماعرفش هو مين
وبالنسبه للكرنب انت ظلمته ياسيدى لانه له عدة استخدامات
انما اتحاد الكوسه دا له استخدام واحد انهم حمير الاهلى
مش عارف اقولك عليها جامدة المقالة دى ولا تجسيدك للواقع فى القصة دى هى اللى جامدة
فعلا كلهم راس كرنب واكياس جوافة مالهمش لازمة
وليه استفسار بسيط للاستاذ محمود فايد لما انت اهلاوى وهيثم مطلع عينيكم داخلين الطول بار الزمالكاوى تعملوا ايه؟؟
هو دة الكلام اصلهم كل ما يتكلموا يقولوا الشرقية اهلوية
انا شرقاوى وما يستجريش اهلاوى يشجع الاهلى قدامى
قال اهلوية قال طب ازاى واحنا محافظة العلم
هو ممكن يجتمع العلم والجهل فى شئ واحد
يجوز بيجتمع عندهم ماهم جاهلة صحيح
اضف تعليق